ابن الجوزي
251
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) في سبب نزولها قولان : أحدهما : أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر ، فنزلت هذه الآية إلى قوله : ( خلقناه بقدر ) انفرد بإخراجه مسلم من حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذه الآية نزلت في القدرية " . والثاني : أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فقال : يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر ، وليس كذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنتم خصماء الله " ، فنزلت : ( إن المجرمين ) إلى قوله ( بقدر ) ، قاله عطاء . قوله تعالى : ( وسعر ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : الجنون . والثاني : العناء ، وقد ذكرناهما في صدر السورة . والثالث : أنه نار تستعر عليهم ، قاله الضحاك . فأما ( سقر ) فقال الزجاج : هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها معرفة ، وهي مؤنثة . وقرأت على شيخنا أبي منصور قال : سقر : اسم لنار الآخرة أعجمي ، ويقال : بل هو عربي ، من قولهم : سقرته الشمس : إذا أذابته ، سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام . وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه الأولون والآخرون : أين خصماء الله ؟ فتقوم القدرية ، فيؤمر بهم إلى النار ، يقول الله تعالى : ( ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ، وإنما قيل لهم : " خصماء الله " لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها . وروى هشام بن حسان عن الحسن قال : والله لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل ، ثم صلى حتى يصير كالوتر ، ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) . وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس " . وقال ابن عباس : كل شئ بقدر حتى وضع يدك على خدك . وقال الزجاج : معنى " بقدر " أي : كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ، ونصب " كل شئ " بفعل مضمر ، المعنى : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر . قوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة ) قال الفراء : أي : إلا مرة واحدة ، وكذلك قال مقاتل : مرة واحدة لا مثنوية لها . وروى عطاء عن ابن عباس قال : يريد : إن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر . وقال ابن السائب : المعنى : وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر . ومعنى اللمح بالبصر : النظر بسرعة . ( ولقد أهلكنا أشياعكم ) أي : أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية ( فهل من